ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

302

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

وهذا لغو من الحديث لا فائدة فيه ؛ فإن شرف الأنساب إنما هو إلى الرجال ، لا إلى النساء ، ويا ليت شعري أما سمع أبو نواس قول قتيلة بنت النضر في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » : أمحمّد ؛ ولأنت نجل كريمة * من قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرّك لو مننت وربّما * منّ الفتى وهو المغيظ المحنق فإنها ذكرت الأم بغير اسم الأم ، وأبرزت هذا الكلام في هذا اللباس الأنيق . وكذلك فليكن المادح إذا مدح ، وأبو نواس - مع لطافة طبعه ، وذكائه ، وما كان يوصف به من الفطنة - قد ذهب عليه مثل هذا الموضع مع ظهوره . وليس لقائل أن يعترض على ما ذكرته بقوله تعالى حكاية عن موسى وأخيه هارون عليهما السلام : قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي فإن الفرق بين الموضعين ظاهر ؛ لأن المنكر على أبي نواس إنما هو التلفظ باسم الأم ، وهي زبيدة ، وكذلك اسم الجدة ، وهي الخيزران ، وليس كذلك ما ورد في الآية . فإن قيل : قد ورد في القرآن الكريم ما يسوّغ لأبي نواس مقالته ، وهو قوله تعالى : إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فناداه باسم أمه . قلت : الجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما أن عيسى عليه السلام لم يكن له أب ، فنودي باسم أمه ضرورة ؛ إذ لو كان له أب لنودي باسم أبيه ؛ الوجه الآخر :

--> ( 1 ) من كلمة رواها ابن إسحاق في السيرة ؛ انظر سيرة ابن هشام : ( 2 - 420 ) ورواها أبو تمام في باب المراثي من ديوان الحماسة ؛ وانظر شرح التبريزي ( 3 - 17 ) وأول هذه الكلمة قولها : يا راكبا إنّ الأثيل مظنّة * من صبح خامسة وأنت موفّق بلّغ به ميتا ؛ فإنّ تحيّة * ما إن تزال بها الرّكائب تخفق منّي إليه وعبرة مسفوحة * جادت لمائحها وأخرى تخنق وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قتل النضر بن كنانة بعد غزاة بدر ، ويروى أنه لما سمع كلمتها هذه قال : « لو سمعنا كلامها قبل قتله لتركناه لها » .